معركة محجوبة : للشاعر المجاهد "حميدي بونوة" من البيض(*) ــــــــــــــــ مداخلة بقلم : الأستاذ الدكتور بومدين جلالي ــــــــــــــــ

 معركة محجوبة : للشاعر المجاهد "حميدي بونوة" من البيض(*)

ــــــــــــــــ مداخلة بقلم : الأستاذ الدكتور بومدين جلالي ــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مدخل: الشعر الشعبي في الجزائر.

الشعر الشعبي الجزائري، أو الشعر "الملحون" كما يصطلح على تسميته، ظاهرة ثقافية قائمة بذاتها ولها خصوصيتها المؤسسة على ما يلي:

‌أ- الملحون هو امتداد تفريعي للشعر العربي الفصيح وقد استفاد منه في أنماطه وأغراضه وإيقاعاته ومعانيه وصوره، ولم يخرج عنه خروجا كليا إلا في اللحن الناتج عن تجاوز حركات الإعراب حين الأداء التعبيري.

‌ب- تجاوز الإعراب في الملحون كان طريقا إلى استخدام اللهجات الدارجة المنحدرة في معظم مفرداتها من الفصحى، والقائمة على تكسير الإعراب وتقليص مساحة التصريف واستحداث بعض التغييرات في النطق.

‌ج- الملحون ليس حديث النشأة بل هو قديم في الثقافة الشعبية ونستخلص هذا من كلام ابن خلدون عن الشعر غير الفصيح الذي له بلاغته الخاصة مثل الزجل والڤوما والكان كان، والذي ظهر بعد موجات الهجرات العربية الكبرى إلى الشمال الإفريقي كما نستخلص مما روي عن بعض الأعلام القدامى، منهم مثلا: الشريف سيدي الناصر بن عبد الرحمن -وهو أحد أعلام القرن 9هـ الذي نزل في المنطقة - موضوع البحث - واستقر فيها؛ يقول واصفا سبب خروجه من منداس الغني ونزوله في بوبياضة الفقير:

بُوبْيَاضَه وَالعَــزْ مْعَــــاهْ خَـيْرْ مَنْ مَندَاسْ وَڤمْحَهْ

عَيْشْ يَاسَرْ وَالذّلْ مْعَــاهْ طـَرْفْ عَيْنِي مَا تـَلـَّمْحَهْ

‌د- الملحون فن أدبي بدوي في الأساس، نشأ ضمن حركة الأعراش العربية وهي في حل وترحال بين الأطلسين التلي والصحراوي، ثم توسع حيزه الجغرافي مع تطوره عبر القرون حتى وصل إلى القرى والمدن الصغيرة والأحياء الشعبية للمدن الكبيرة التي لا تخلوا من روح بدوية . ولعل بعض ذلك ما تشير إليه قصيدة عيسى بن علال من منطقة الشلالة في السهوب الغربية الجزائرية :

ڤلـْبِي تْفَكَّرْ عُرْبَانْ رَحَّالَهْ تـَارِيخْ لِافْرِيقـْيَا الشـَّمَالِي

‌ه- الشعر الملحون لا يصل إلى ذروته إطرابا وتأثير بمجرد أن يقوله الشاعر، وذلك مهما عظمت جمالياته الفنية وأهمية موضوعه، وإنما يصل إلى الذروة بتمظهرات ليست جزء منه في البدء. وتتجلى تلك التمظهرات في حلقة المداح بما فيه من تمسرح وموسيقى وإنشاد مضافة إلى البخور والرقص في بعض الحلقات الخاصة.

وفق هذه المقاربة العامة، كان الشعر الملحون في بوادي الجزائر وأريافها وأحيائها الشعبية. ولنا أن نتساءل الآن كيف كان في المنطقة المحددة لهذه القراءة.

أولا:

ظاهرة الشعر الشعبي بين جبل كسال (البيض) وجبل العمور (آفلو.)

تكاد هذه المنطقة المحددة أن تلامس نسبة 100% في عروبة أعراشها المكونة لسكنتها المقيمة فيها منذ قرون، ولعل مرد ذلك أن الكثير من الهجرات العربية توجهت إليها وتمركزت غالبا فيها بحكم بيئتها المشابهة للبيئة العربية الأصلية، ومن هذا كان شعرها الملحون أقرب الأشعار الشعبية إلى الشعر العربي القديم الآتي من نجد وتهامة والحجاز وما إلى ذلك، ومنه أيضا كان هذا الشعر هو الثقافة الأولى السائدة بين أعراش المنطقة في مختلف مناسباتهم وحتى في يومياتهم العادية، إذا لا تكاد تجد شخصا منهم إلا وهو أحد ثلاثة: إما شاعر يبدع الكثير أو القليل، وإما راوية ينشر بين الناس الكثير أو القليل من هذا الإبداع، وإما محب متذوق يستمتع بسماع الكثير أو القليل من هذا الشعر، وهكذا الأمر عند الرجال والنساء على حد سواء. والأمر الغريب الذي رافق هذا الشعر الكثيف ذا الإتقان الفني العالي هو أن لا أحد - فيما أعلم- قد فكر في تدوينه - ولو على مستوى كبريات قصائده الشهيرة- إلا مع منتصف القرن 20م وخاصة بعد استرجاع السيادة الوطنية الجزائرية من الاستعمار الفرنسي البغيض، وذلك انطلاقا من كونه كان أداة فنية معتبرة من أدوات المقاومة والجهاد طيلة القرنين 19م و20م. والملاحظ هو أن هذا الشعر كان يندرج ضمن أربعة توجهات غرضية كبيرة: أولها الشعر الاجتماعي الراصد لفعاليات الحياة اليومية، وثانيها الشعر الغزلي الوجداني الحاكي عن تمظهرات وتوترات العلاقة الوجدانية الأبدية بين الرجل والمرأة، وثالثها الشعر الديني المنبعث من حركة التصوف وتأثير الزوايا، ورابعها الشعر الجهادي البطولي الثوري المرافق لحركات المقاومات الشعبية ثم الثورة التحريرية والمخلد لما حدث في مقاومة الاستعمار من ملاحم تاريخية ثابتة. وفيما يخص هذا الأخير- موضوع البحث - يتربع على ريادته فارس مجاهد من أبطال مقاومات القرن 19م في السهوب الغربية الجزائرية، وهو الشاعر الشهير محمد بلخير، من عرش الرزيڤات/ أغواط اكسال، الواقعة أرضهم بين البيض وآفلو (ضمن دائرة بوعلام، ولاية البيض حاليا). ولد هذا الشاعر الكبير سنة 1832م بجانب قرية المالح على مقربة من عين تموشنت في الشمال الجزائري، وترعرع فارسا بين أهله في بلادهم بالسهوب، وقال الشعر بمختلف أغراضه منذ شبابه الأول، وتميز في الشعر البطولي الجهادي أثناء مشاركته قائدا فاعلا في ثورات أولاد السيد الشيخ وحين أسر وسجن في جزيرة كورسيكا. وبعد كل هذا؛ عاد لأهله ليأتيه الأجل سنة 1898م ويدفن بداية مع الكثير من رفاقه في السلاح في مقبرة "اتْغِيسَتْ" بعرش أولاد سيدي الناصر المحاذي لعرش الرزيڤات، ثم بعد الاستقلال الوطني نقلت رفاته إلى مدينة بوعلام ولاية البيض. ولم يكن عصرئذ هذا الفارس الشاعر هو الوحيد الذي تميز في هذا الفن من القول، بل شاركه فيه عدد ضخم من شعراء أعراش المنطقة الذين ساهموا في تلك الثورات أو عايشوها أو ظهروا بعدها وخلدوا مآثرها. منهم -على سبيل التمثيل- ما ذكره الباحث الإعلامي في جريدة الخبر، الأستاذ عبد القادر نورين، في دراسة له عن شعراء المقاومة في عرش أولاد سيد الناصر، وهم المختار بلحمر، عيسى بن شخمة، المختار بن ناصر، الشيخ سعد، قدور بن العربي، وغيرهم...

ثانيا:

علاقة الشعر الشعبي بالثورة في السهوب الغربية.

بصورة طبيعية عادية، كان الشعر الشعبي في السهوب الغربية الجزائرية أداة فنية محركة للجهاد، وواصفة له، ومعقبة عليه، ومذكرة به في حلقات المداحين. مثلا؛ نجد محمد بلخير يخلد معارك المقاومة في القرن 19م ضمن قصائد متعددة، منها تخليده لمعركة "الڤارة الغشواء" التي يقول في مطلعها:

انْهَارْ الڤـَارَة الغَشْوَا انْهَارْ كْبِيرْ اسْبَــعْ ضَرْبَاتَ فِـــي عَـــوْدِي

كما نجده يتذكر ملاحم السهوب، وهو في سجنه بجزيرة كورسيكا، في قصائد متعددة إذ يقول في إحداها:

يَا حَسْرَاهْ مْنِينْ سَلْسَلْنَا الكُفَّارْ كْذا مَنْ قُبْطَانْ بَاعْلامَهْ طَاوِيهْ

وإذا ما مثلنا بالمختار بلحمر من العصر نفسه، وهو من شعراء أولاد سيدي الناصر ورجالهم الذين شاركوا في المقاومة، فكان أن نفتهم فرنسا من بلادهم إلى منطقة السرسو من 1882م إلى 1886م بعد أن جردتهم من كل ممتلكاتهم، يقول باكيا ما حدث له ولقومه في قصيدة طويلة منها:

نَبْكِي السَّايَبْ فِي الـْقـْبَايَلْ وَهْمُوُمَ اوْطَانِي بَعْدَ انْ كَانُوا لَمَّهْ اضْحَاوْ بَيْنْ صْحَارِي وَتْلـُـولْ

أهْلَ التّقْوَى وَالجَاهْ وَالْعْنَايَهْ مَا فِيهُمْ دُونِي بَيْتْ الحُسْنَى وَالجُودْ خَيْرُهُمْ عْلَى الدَّنْيَا مَسْبُولْ

وتعدد الشعراء المهتمون بمقاومة الاستعمار، وتعددت قصائدهم، وتناقلها الرواة، ووصلت إلى حلقات المداحين الذين يجوبون المناسبات الاجتماعية والأسواق الأسبوعية، فأصبحت هذه الثقافة الشعرية البطولية، مضافة إلى الثقافة الدينية، هي الثقافة الرائجة بين القوم من نهاية القرن 19م إلى ما بعد منتصف القرن 20م.

ولما قامت ثورة نوفمبر المجيدة تراجع الشعر البطولي القائم على الفروسية وحل محله شعر بطولي آخر قائم على المعارك النوفمبرية وتدمير الدبابات وإسقاط الطائرات وما يجري هذا المجرى.

وكما كان في السابق؛ الشعراء المبدعون هم أنفسهم أبطال المقاومة في الغالب، لقد تكررت العملية إذ أصبح بعض المناضلين المجاهدين في صفوف جيش التحرير الوطني أو جبهة التحرير الوطني هم المبدعون الذين وصفوا البطولات الملحمية حين حدوثها أو كتبوا عنها بعد الاستقلال الوطني. وفي هذا أذكر أربعة شعراء مجاهدين -من أعراش مختلفة- كان الكثير من شعرهم وطنيا عاما وبعضه ثوريا مخصصا لتخليد معارك تاريخية وقعت في المنطقة. وهؤلاء هم: بوسماحة البشير، وعزيزي أحمد، وعيسات سليمان، وحميدي بونوة.

فالأول، الشاعر المجاهد بوسماحة البشير المدعو الشيخ البشير (1919م/ 1981م) من عرش أولاد زياد، بلدية الرقاصة، ولاية البيض. مناضل وطني وسجين الاحتلال قبل الثورة ثم مجاهد أثناء الثورة، حكم عليه بالإعدام غيابيا وهو ضمن صفوف جيش التحرير الوطني، شاعر فحل من كبار شعراء الملحون، خلد بعض أحداث ثورة نوفمبر في قصائد متعددة منها "يا شعب الدزاير" و"يا لاكوست" و"ثورة اكسال" وغيرها... له ديوان ضخم متعدد الأغراض، معظمه على ألسنة الرواة والمداحين. لم يجمع شعره كاملا بعد، ولم ينشر رسميا فيما أعلم.

والثاني، الشاعر المجاهد عزيزي أحمد بن الناصر المدعو الشيخ الحسني المولود في 1938م، من عرش بني هلال، بلدية عين سيدي علي، ولاية الأغواط، يقطن في مدينة آفلو، هو من المجاهدين في صوف الثورة، شاعر فحل من كبار شعراء الملحون، أبدع قصائد كثيرة مخلدة لبعض تجليات الثورة منها "أم الشهيد" و"جبل العمور" و"عيد الاستقلال" وغيرها... له ديوان كبير مجموع يحتوي على 50 قصيدة في أغراض متعددة، لكنه لم ينشر رسميا فيما أعلم.

والثالث، الشاعر المجاهد عيسات سليمان المدعو بلعسكري، المولود في 1930م(**)، من عرش أولاد سيدي الناصر، بلدية الحاج المشري، ولاية الأغواط، يقطن بمدينة آفلو. هو مناضل وطني قبل الثورة ثم مجاهد في صفوف الثورة التحريرية، شاعر فحل من كبار شعراء الملحون، خلد مآثر الثورة التحريرية في عشرات القصائد من أشهرها "معركة الڤعدة" وغيرها... له ديوان ضخم جدا من مئات القصائد ذات الأغراض المختلفة، وهذا الديوان مجموع مرقون وهو في حوزة الشاعر تهامي عبد القادر الناصري القاطن بمدينة آفلو، ولم ينشر هذا الديوان رسميا بعد فيما أعلم.

والرابع، الشاعر المجاهد حميدي بونوة المدعو عبد الباسط (***)، وهو المختار نموذجا رئيسا في هذه المداخلة، وسيأتي تناوله في باقي العناصر.

ثالثا:

"معركة محجوبة" للشاعر المجاهد حميدي بونوة.

1 - القصيدة:

مَعْرَكَةْ مَحْجُوبَهْ

انْڤــُولْ اعْلَى مَحْجُوبَهْ وَتَتْسَاهَلْ لَكْلاَمْ// اللِّي يْحَبْ الزِّيـــنْ مَنْ حَقَّهْ يَطْمَـــعْ

حَبَّـــكْ الشّبَــابْ عُمْــرَهْ مَـــا يَتـْــــلامْ//وَاحْلفْ بِاليَمِيـــنْ لَلْجْبَـــــالْ اطْلـَــعْ

مَـــاتُوا اعْلِيكَ ابْطَالْ يَا مِيرَةْ الاَرْيَــامْ//كْذَا مَـــنْ دَفْنـُــوهْ وَالـــــدَّمْ ايْفَـيَّـــعْ

سـَــوَّلْ الجِنِــرَالْ وَالجَيْـــشَ الْهَــــدَّامْ//سَوَّلْهُمْ مَـــا صَارْ فِي هَذا المَوْضَـعْ

مَـــــا عَنْدْنَا سَيَّارَاتْ نَمْشُوا عَلَى لَڤدَامْ//جَيْشَ التَّحْرِيـرْ حَطْ فِي هَذا المَڤـْطَعْ

لا مَــــا، لا تَمْوِيـــنْ، ظـَلـّينـَـا صِيَّــامْ//مَنْ حَــرَّ الشـَّـمْسْ ڤـَلـْبـَكْ يـَتْـڤـَطَّـعْ

كَـتِـيــــبَـهْ صَــــــامْـدَهْ ضَدَّ اللـِّـــئـَــامْ//المُجَــاهِدْ شُجَــاعْ حَالَفْ مَـا يَرْجَــعْ

بــَـنْ زَكْــرِي قـَـــادْهَا بْطـَـــلْ هُمَـــامْ//وَامْعَـــاهْ الابْطـَــالْ غَيْرْ اللِي يَخْلـَعْ

النـُّــوَابْ سـَـــاهْرِيـــنْ اعْلـَى النّظـَـامْ//حَمِيــدِي بُولَانـْـوَارْ فَالْجَيْشْ ايشَجَّـعْ

عَبْدَ اللّي اوُ مُولايْ ارْفِيڤْهُمْ مَا يَنْضَامْ//عُكـَّــاشَهْ صَنْدِيدْ فَالضَّرْبـَـهْ يَسْــرَعْ

المُجَـــاهَـــدْ كَلْعْڤابْ مَــنْ طَبْعَهْ حَوَّامْ//الجَزَايْرِي مَعْرُوفْ عُمْرَهْ مَا يَرْكَــعْ

اللِّي سَلاحَـــهْ زَيْـــنْ فَالحَـــزَّهْ يَقْـيـَـامْ// تـَـاجَ الجَنْدِي هـُـوَ اسْلاحَهْ يَا سَامَـعْ

حْضَـــرْنَا وَاصْمَدْنـَـا وَزَدْنــَا لَلْأمَـــامْ//جَيْشَ الاِحْتِــلالْ فَالْحِيــنْ اتْضَعْضَعْ

الرِّيــــحْ الغَرْبِي اوُزَادْ اطْلـَعْ لَغـْتـَـامْ//اتْشَابَكْنَا بالرّْصَــاصْ وَالمَدْفَعْ لَعْـلَـعْ

ابْدَاتْ مْـــنَ الصّْبـَـاحْ حَتــَّى لَلظـَّــلامْ//هَذا هَـــارَبْ ذَاكْ طَايَــــحْ فَالمَــوْقَعْ

هـَــذا يَبْـــكِي ذَاكْ نـَــــادَى لَلْحُكـَّــــامْ//الاَخـَـرْ يَجْــرِي ذَاكْ يَتْخَمَّـدْ يَضْلـَـعْ

امْيَــــهْ وُخَمْسِيــــنْ قَـتْـلـَى بَالـتَّـمَــــامْ//فِيـــهُمْ قَبْطـَـــانْ فَالْحَــرْبْ ايخـَـادَعْ

طَيَّحْـنـَـا الطّيَّــــارَهْ وَرَهَّـبْـنَـا الحُكَّــامْ//خـَــافُـوا وَابْـــدَا العَسْكـَـــرْ يَتْرَاجـَعْ

امْـــنَ المَشْرِيَّـــهْ جَـاتْ نَجْدَةْ الِانْتِقـَـامْ//الطَّيَّـــارَهْ وَالكُوبْتـَـارْ وَالجَيْشْ ايْتَبَّعْ

دَارُوا حْسَابْ الجَيْشْ عَرْفُوا الِانْهِـزَامْ//وَعْـــدُو جِيرِيفِـيــلْ لَلْهـَــارَبْ يَمْـنَـعْ

قَدَّمْنـَــا التّضْحِيـَّــاتْ مَــا رَدْنَا وِسَــامْ//الحَاضَرْ فَالمَيْدَانْ مـَـا هُــو كَالسَّـامَعْ

سَبْـــعَ شُهَـــدَا الْتَحْـــقـُـــوا بِالإمَـــــامْ//إمــَـامْ المُجَـــاهْدِيــنْ فَالأُمَّـــهْ يَشْفَـعْ

سَتّهْ مَجْـــرُوحِيـــنْ عـَــاشُوا بِالسَّـلامْ//الْحَــيْ امْعَانَا الْيُومْ فَالذّْكْرَى يَسْمَـــعْ

هَـذِي المَعْرَكَهْ انْسَجْلـُوهَا فِي الَافْـلامْ//مَنْ كَثْرَةْ هَوْلْهَا ايْشِيبْ الِلي يَرْضَـعْ

مَـــا زْلْنَا اعْلـَـى العَهْدْ وَانْكَمَّلْ الايَّــامْ//ضَدَّ الخَــايَنْ وَالرْفِيـــڤْ اللِي يَخْدَعْ

سَبْــعَ وَخْمْسِينْ تْسَعَهْ اجْـوِيِي بَالتَّمَــامْ//تَسْعَمْيَــــهْ وَألفْ لَلتـَّــــارِيخْ اسْمَـــعْ

2 - صاحبها:

هو الشاعر المجاهد حميدي بونوة المدعو عبد الباسط، المولود سنة 1934م في ولاية البيض، وهو من الشنايف الأشراف الذين يقطنون في قرية مكثر أصلا.

بدأ تعلمه في قريته وهو يافع، ولما تنقلت أسرته إلى مدينة البيض القريبة من مسقط رأسه، واصل تعلمه للقرآن في حي "واد الفرّان" على يد الشيخ قاسمي الحاج محمد بن عبد القادر التاجروني، كما تلقى دروسا في العربية بمسجد النور الذي بناه صاحبه أساسا لهذه الغاية.

في هذه الفترة الباكرة تشكل في وجدانه وإدراكه أمران: من جهة، وعيه التام بالقضية الوطنية وكرهه للاستعمار الفرنسي البغيض نتيجة ما كان يعاني منه الشعب الجزائري عصرئذ من عنصرية وفقر وهيمنة احتلالية، وهذا ما قاده لا حقا إلى الجبل مجاهدا في صفوف الجيش التحرير الوطني. ومن جهة أخرى، حبه للشعر الملحون في صيغه الغزلية والصوفية والبطولية تأثرا بكبار الشعر الشعبي الجزائري من أمثال عبد الله بن كريو ومحمد بلخير وغيرهما، وهذا ما فجر قريحته الإبداعية بعد اكتمال نضجه الفني.

التحق بصفوف الثورة التحريرية جنديا مع مجموعة من زملائه طلبة القرآن يوم 06 ماي 1957م ضمن الولاية 05/ المنطقة 03، وكان من قياداته المشاهير: الرائد سي موسى المدعو مراد، والرائد مولاي ابراهيم المدعو عبد الوهاب، والشهيد كركب قدور، والشهيد محبوبي الحاج عامر، وقد اشتغل مع بعضهم كاتبا خاصا، وظل ينشط جنديا مسلحا إلى أن ألقي عليه القبض. دخل السجن من 1959م إلى 1960م وبعده عاد إلى نشاطه الجهادي إلى غاية الاستقلال الوطني أين كلف بعدة مهام ذات طابع تنظيمي.

التحق بالتعليم في 1963م فعمل في القسم ثم الإدارة مع مواصلة نشاطه النضالي ضمن حزب جبهة التحرير الوطني وبلدية البيض والمنظمة الوطنية للمجاهدين، إلى أن تقاعد... وبعد التقاعد وجه جهده إلى النشاطات ذات الطابع الثقافي والتاريخي.

له حضور كبير على مستوى الشعر الشعبي، وبعض قصائده غناها أعلام الطرب الشعبي الصحراوي الجزائري أمثال: خليفي احمد ورابح درياسة والبار اعمر ومريم وفاء... وهو الآن عميد الشعر الشعبي بمنطقة البيض.

3 - المكان والمعركة:

أ‌- المكان:

"محجوبة" مكان كان يندرج أثناء الثورة التحريرية في الولاية 05/ المنطقة 03 التي كان يقودها سي موسى المدعو مراد، وكان قائد الكتيبة التي خاضت معركة محجوبة هو بن زكري، وهذا المكان يقع جغرافيا جنوب مدينة البيض بحوالي 40 كلم في الأطلس الصحراوي الغربي، وبالضبط شمال بلدية الغاسول.

وفي التقسيم الإداري الجاري به العمل حاليا؛ تقع محجوبة في بلدية الكراكدة/ دائرة بريزينة/ ولاية البيض (32). وهذا المكان المعروف بتسمية محجوبة، هو عبارة عن تضاريس أطلسية صحراوية بين بسيطة الارتفاع ومتوسطة، وتتكون من صخور ومنخفضات جرداء غير مكسوة بالأشجار. وصخورها وتضاريسها المتوسطة هي التي جعلت كتيبة جيش التحرير المعنية تتخذ منها ما بين الحين والحين حيزا للاستراحة المؤقتة والتموين الضروري، بخاصة وإن كثير من البدو والرحل ينزلون في جناباتها إذا ما سقط المطر بها ونبت الكلأ المغذي لحيواناتهم.

ب‌- المعركة:

ليلة عيد الأضحى الموافق لتاريخ 09 جويلية 1957م توقفت كتيبة القائد بن زكري في محجوبة بغية الاستراحة قليلا والتزود ببعض الضروريات الممكنة، وكان عدد أفرادها 105 من جنود جيش التحرير الوطني، وما إن تعاقب الليل قليلا حتى كان خبر توقف الكتيبة بالمكان قد وصل إلى علم القوات الفرنسية الاستعمارية المعسكرة بمدينة البيض ومحيطها. وليلا دائما، قبل وصول أي تموين لكتيبة جيش التحرير، بدأت محاصرة الموقع بأعداد معتبرة من عساكر الاحتلال وترسانة من السلاح والمعدات ما سبق وإن تجمعت في ذلك المكان. ومع الحصار من كل الجوانب بدأ الريح الغربي (السيروكو) يصرصر في عاصفة رملية هوجاء، وإثر الشروق كان المكان المعني مغلقا، والطائرات في ذهاب وإياب لمعاينة تفاصيله، والشمس تبدو خلف الغبار حارقة بحرارة مرعبة.

تزامنا مع كل هذا، لقد قسم القائد بن زكري الكتيبة إلى ثلاث فصائل: واحدة يقودها بودربالة، والثانية يقودها عبدَلِّي، والثالثة يقودها حميدي بولنوار. فنظموا أنفسهم وفق مقتضيات الحصار، وحضروا الجنود لخوض معركة مصيرية، قوتهم فيها هي إيمانهم العميق وصبرهم الكبير وتنظيمهم الدقيق المؤسس على معرفتهم الرفيعة بالموقع، وكانت أسلحتهم موزعة بين رشاشات ثقيلة وأخرى خفيفة وبنادق حربية، في حين، كانت أعداد الجيش الاستعماري الفرنسي كبيرة جدا يقودها جنرال، وهي مسلحة بالطائرات النفاثة والمروحيات والدبابات والسيارات العسكرية المختلفة والمدافع والأسلحة الخفيفة المستخدمة في ذلك الوقت، إضافة إلى مرافقة التموين والمستشفى الميداني و الاتصالات ووصول قوات أخرى للنجدة والدعم طول النهار من معسكرات الغاسول ولبيض سيد الشيخ والمشرية.

انطلقت أول رصاصة فاتحة لمعركة محجوبة على السابعة صباحا وظلت أصوات القذائف المتنوعة، والانفجارات المختلفة، وزمجرة الدبابات والطائرات، وصرصرة الريح العاتية العاصفة تملأ الموقع إلى غاية التاسعة ليلا -أي مدة 14 ساعة- ولم يسيطر جيش الاحتلال على محجوبة نظرا للطبيعة الصخرية لمرتفعاتها المتعددة مضافة -من جهة- إلى الريح العاتية والغبار الرملي العاصف الذي حجب الرؤية تماما، ومن جهة ثانية ما رافق ذلك الجو شبه المظلم من حرارة صيفية صحراوية رهيبة، ثم من جهة ثالثة جودة التمركز الاستراتيجي عند كتيبة جيش التحرير وفعالية مجاهديها في الميدان.

وفي خضم هذه الملحمة التاريخية خسرت فرنسا 150 من أفراد جيشها منهم ضابط برتبة نقيب، كما خسرت بعض عتادها وعدتها، أما جرحاها فكانوا بغير حساب. وفي المقابل سقط في ميدان الشرف سبعة شهداء -رحمهم الله- وجرح ستة مجاهدين.

ولما جن الليل وأضيف ظلامه إلى ظلام العاصفة الرملية، تمكنت كتيبة جيش التحرير من فك الحصار من الجهة التي لم يكن العدو ينتظر أن تفك الحصار منها، وهي الجهة المتجهة نحو مدينة البيض أين يوجد جبل " بودرڤه". مع الملاحظة أن هذه المعلومات هي من رواية المجاهد الشاعر حميدي بونوة الذي كان شاهد عيان على هذه المعركة، وقد خلدها في احتفالية ذكراها الأربعين سنة 1997م بالقصيدة موضوع المداخلة.

4 - قراءة تحليلية للقصيدة:

تتكون القصيدة، موضوع المداخلة، من عنوان و26 بيتا من الأبيات القائمة على شطرين منفصلين بروين مختلفين.

العنوان: معركة محجوبة.

يتكون هذا العنوان نحويا من خبر (معركة) لمبتدأ محذوف، ومضاف إليه. فالحذف دال على المعرفة اليقينية بالحدث، والإخبار يحيل على الحكي عن هذا الحدث في متن النص، والإضافة تعطي الدقة للحدث المحكي عنه، وفي الوقت ذاته تفتح المجال على الرمزية، إذ ظاهر لفظ (محجوبة) يشخص امرأة جميلة ولو لم تكن كذلك لما حجبت عن الأعين المتربصة ولما قامت من أجلها وباسمها معركة عظيمة ترقى إلى أن تكون موضوعا للشعر. وبمعرفة حيثيات الحدث تتسع الرمزية التوصيفية إلى الأنوثة الجميلة المختفية في البعدين المكاني والزماني بمختلف مكوناتها الضاربة في جذور الوجود، وبإدراك الدلالة الكلية للنص ترتقي (محجوبة) في رمزيتها من امرأة رائعة حولها أخطار، إلى موقع محدد قاوم جزئيا هذه الأخطار بتضحيات تليق بمقام هذه المحجوبة إلى وطن آية في الجمال الذي حجبه الاستعمار البغيض، فقام الأبطال مقدمين الملاحم البطولية وراء الملاحم البطولية بغية فكه من أغلاله واستعادة سيادته كاملة، ثم الحكي عنه بفخر في ذكريات أمجاده.

وقد جاء النص مشكلا من خمس لوحات شعرية، هي:

اللوحة الشعرية الأولى: محجوبة الأميرة المحبوبة.

يقول الشاعر المجاهد حميدي بونوة.

انْڤــُولْ اعْلَى مَحْجُوبَهْ وَتَتْسَاهَلْ لَكْلاَمْ اللِّي يْحَبْ الزِّيـــنْ مَنْ حَقَّهْ يَطْمَـــعْ

حَبَّـــكْ الشّبَــابْ عُمْــرَهْ مَـــا يَتـْــــلامْ وَاحْلفْ بِاليَمِيـــنْ لَلْجْبَـــــالْ اطْلـَــعْ

مَـــاتُوا اعْلِيكَ ابْطَالْ يَا مِيرَةْ الاَرْيَــامْ كْذَا مَـــنْ دَفْنـُــوهْ وَالـــــدَّمْ ايْفَـيَّـــعْ

ينطلق الشاعر من ذاته (انْڤـُولْ) مستخدما الأنا في علاقته بالعشيقة محجوبة افتتاحا للقول فيها وتبريرا له، ثم ينزاح إلى الآخر (الهو) المرتبط بالحب والطمع، وفق أسلوبية العشاق وتمهيدا لإدماج غيره في هذا الحب العظيم. وابتداء من البيت الثاني يظهر أن هذا العشق المطلق ليس فرديا وإنما هو جماعي شارك فيه كل الشباب دونما أن يلومه لائم، فكان أن صعد إلى الجبال مدافعا عن حبه. ونتيجة ذلك الصعود تحول إلى (أبْطَالْ) يموتون تضحية في سبيل أميرة الجمال (مِيرَةْ الارْيَامْ) ويدفنون -ككل الشهداء في تاريخهم الطويل- ودماؤهم تسيل من غير غسل ولا كفن تميزا لاستشهادهم عن الموت العادي الذي لا شرف فيه.

اللوحة الشعرية الثانية: واقع الكتيبة التحريرية قبل العركة.

يواصل الشاعر المجاهد حميدي بونوة.

سـَــوَّلْ الجِنِــرَالْ وَالجَيْـــشَ الْهَــــدَّامْ سَوَّلْهُمْ مَـــا صَارْ فِي هَذا المَوْضَـعْ

مَـــــا عَنْدْنَا سَيَّارَاتْ نَمْشُوا عَلَى لَڤدَامْ جَيْشَ التَّحْرِيـرْ حَطْ فِي هَذا المَڤـْطَ

عْلا مَــــا، لا تَمْوِيـــنْ، ظـَلـّينـَـا صِيَّــامْ مَنْ حَــرَّ الشـَّـمْسْ ڤـَلـْبـَكْ يـَتْـڤـَطَّـعْ

بعد اللوحة المدخلية السالفة التي رسم فيها الشاعر الهالة الجمالية للأميرة محجوبة وما ترتب عنها من عشق شبابي بطولي أدى إلى استشهاد الكثير منهم حيالها ودفاعا عنها؛ وبعد أن يدمج العدو القوي (الجِنِرَالْ وَالجِيشْ الهَدَّامْ) لا ليصفه وإنما ليجعله شاهد إثبات تاريخي؛ يواصل القول الشعري متوجها إلى المتلقي آمرا بالفعل (سَوَّلْ) المتكرر للتأكيد بغية نفي أي شك يراود المتلقي السامع أو القارئ. وفي ذات الحين يحدد الجهة التي يوجه إليها السؤال كما يحدد ماهية السؤال الرامي إلى إثبات حقيقتين، أولاهما: الأحداث البطولية التي جرت في (المَوْقعْ) الذي يحيل إليه عنوان القصيدة، والتي سيتم تفصيلها في اللوحات الشعرية القادمة، وثانيتهما: الماهية التوصيفية لـ (جَيشْ التّحْرِيرْ) المذكور بكليته لتطابق ظروفه في كل أصقاع الجزائر والمقصود في جزئيته المتمثلة في الكتيبة التي كانت بطلة معركة محجوبة برغم أنها تواجه جيشا عرمرما هداما -كما تدل على ذلك معداته لاحقا- وهي لا تملك إلا حب الشباب لمحجوبة الرمز دون مطية ولا زاد ولا حتى مجرد الماء في رمضاء شمس الصحراء صيفا. والجميل في ما جاء في هذه اللوحة الفنية أن الشاعر لا يكتفي بتكليف المتلقي باستنطاق الجيش الاستعماري عن حقائق هذه المعركة العظيمة -وفي ذلك إشارة لبيبة لاستنطاق الأرشيف الموجود في حوزة العدو- وإنما يجر هذا المتلقي إلى قلب المعركة لا ليشارك بالسلاح وإنما لحمله من خلال عبارة (ڤلـْبَكْ يَتـْـڤـَطَّعْ) على مشاركة الأبطال في عطشهم وجوعهم واحتراقهم بالشمس الملتهبة صيفا. والأجمل من هذا أن دلالة الخوف -برغم قوة العدو وكل المعطيات المساعدة له- لم ترد عند الشاعر الشاهد على المعركة، ولا عند الأبطال الصانعين لأمجاد هذه المعركة، ليتقطع قلبه عطشا وجوعا وحرا دون أن يمسه الخوف غير الوارد أصلا في قاموس أبطال ملاحم النوفمبرية.

اللوحة الشعرية الثالثة: الكتيبة التحريرية حين المعركة.

يواصل الشاعر المجاهد حميدي بونوة.

كَـتِـيــــبَـهْ صَــــــامْـدَهْ ضَدَّ اللـِّـــئـَــامْ المُجَــاهِدْ شُجَــاعْ حَالَفْ مَـا يَرْجَــعْ

بــَـنْ زَكْــرِي قـَـــادْهَا بْطـَـــلْ هُمَـــامْ وَامْعَـــاهْ الابْطـَــالْ غَيْرْ اللِي يَخْلـَعْ

النـُّــوَابْ سـَـــاهْرِيـــنْ اعْلـَى النّظـَـامْ حَمِيــدِي بُولَانـْـوَارْ فَالْجَيْشْ ايشَجَّـعْ

عَبْدَ اللّي اوُ مُولايْ ارْفِيڤْهُمْ مَا يَنْضَامْ عُكـَّــاشَهْ صَنْدِيدْ فَالضَّرْبـَـهْ يَسْــرَعْ

المُجَـــاهَـــدْ كَلْعْڤابْ مَــنْ طَبْعَهْ حَوَّامْ الجَزَايْرِي مَعْرُوفْ عُمْرَهْ مَا يَرْكَــعْ

اللِّي سَلاحَـــهْ زَيْـــنْ فَالحَـــزَّهْ يَقْـيـَـامْ تـَـاجَ الجَنْدِي هـُـوَ اسْلاحَهْ يَا سَامَـعْ

بعدما قدم الشاعر الأميرة التي من أجلها تدور الحرب الضروس، وقدم طرفي الحرب متمثلين في (الشّبَابْ) عاشق الأميرة و(الجَيشْ الهَدَّامْ) عدوها الذي أتى ليحجبها عن الوجود، وبعد أن أدخل المتلقي في مسرح الأحداث ليعش الواقعة من داخلها لا من خارجها، يوجه الشاعر عدسته إلــى الـ (كَتِيبَة) ليقدمها في لوحة ناطقة بخصائصها التي انمازت بها في يوم من أيام تاريخها المجيد هو يوم معركة محجوبة، فينطلق من صفتها الرئيسة (صَامْدَهْ ضِدَّ اللِئَامْ) صمودا مؤسسا على شجاعة كل مجاهد فيها بحيث أقسم أنه (مَا يَرْجَعْ)، أي إما النصر وإما الشهادة. ثم يذكر أعلام تلك الكتيبة وهم (بن زكري) القائد ونوابه (حميدي بولنوار) و(عبد اللي) و(مولاي) و(عكاشة) ورفاقهم من (الابْطَالْ غَيْرْ اللِّي يَخْلَعْ) أي بما يُحدثون من رعب في العدو بانضباطهم وإقدامهم وسرعتهم في التنفيذ، إضافة إلى صبرهم الذي ورد ذكره سلفا. وتُختم اللوحة بصورة تعميمية تنصف (المُجَاهِدْ) و(الجَزَايْرِي) وَ(الجَنْدِي). فالمجاهد عقاب جارح يحوم في العلياء، وهو ما يحيل على أن عدوه مجرد طريدة سيأتي وقتها ولو بعد حين. والجزائري -عبر تاريخه الطويل- شامخ كجباله لا يركع أبدا. والجندي، أي المجاهد الجزائري، تظهر قيمته وقيمة سلاحه في أوقات الشدة كما حدث يوم معركة محجوبة. وبهذه الأوصاف التي مسرحت دور المجاهد الجزائري الجندي وهو يخوض المعركة ضمن كتيبة محددة، كان الشاعر يجهز (سَامَعْ) قوله ليكون معه في قلب المعركة ضمن اللوحة الفنية القادمة.

اللوحة الشعرية الرابعة: جيش الاحتلال حين المعركة.

يواصل الشاعر المجاهد حميدي بونوة.

حْضَـــرْنَا وَاصْمَدْنـَـا وَزَدْنــَا لَلْأمَـــامْ جَيْشَ الاِحْتِــلالْ فَالْحِيــنْ اتْضَعْضَعْ

الرِّيــــحْ الغَرْبِي اوُزَادْ اطْلـَعْ لَغـْتـَـامْ اتْشَابَكْنَا بالرّْصَــاصْ وَالمَدْفَعْ لَعْـلَـعْ

ابْدَاتْ مْـــنَ الصّْبـَـاحْ حَتــَّى لَلظـَّــلامْ هَذا هَـــارَبْ ذَاكْ طَايَــــحْ فَالمَــوْقَعْ

هـَــذا يَبْـــكِي ذَاكْ نـَــــادَى لَلْحُكـَّــــامْ الاَخـَـرْ يَجْــرِي ذَاكْ يَتْخَمَّـدْ يَضْلـَـعْ

امْيَــــهْ وُخَمْسِيــــنْ قَـتْـلـَى بَالـتَّـمَــــامْ فِيـــهُمْ قَبْطـَـــانْ فَالْحَــرْبْ ايخـَـادَعْ

طَيَّحْـنـَـا الطّيَّــــارَهْ وَرَهَّـبْـنَـا الحُكَّــامْ خـَــافُـوا وَابْـــدَا العَسْكـَـــرْ يَتْرَاجـَعْ

امْـــنَ المَشْرِيَّـــهْ جَـاتْ نَجْدَةْ الِانْتِقـَـامْ الطَّيَّـــارَهْ وَالكُوبْتـَـارْ وَالجَيْشْ ايْتَبَّعْ

دَارُوا حْسَابْ الجَيْشْ عَرْفُوا الِانْهِـزَامْ وَعْـــدُو جِيرِيفِـيــلْ لَلْهـَــارَبْ يَمْـنَـعْ

بعدما وظف الشاعر الأدوات الفنية المؤدية إلى قلب المعركة، بما في ذلك إدخال المتلقي داخل صلبها. وبعد ما استثمر في لوحاته السابقة عددا من الضمائر المختلفة بدء من (الأنا) المعلن عن ذاته في (انْڤـُولْ)، فمرورا إلى ضمائر أو أسماء أو صفات تستحضر مختلف الذين لهم علاقة بما يدور من ملاحم حبا في محجوبة الرمز أو عداء لها، ثم انتهاء إلى (الأنت) المدمِج للسامع في تلافيف الحدث العظيم... بعد كل هذا؛ يتوازى الخطاب الشعري بين ضميرين متعارضين متصارعين أحدهما (نحن): أبطال الكتيبة بما يأتي في سياقها من مجموع جيش التحرير والجزائر قاطبة. والآخر (هم): القوات الفرنسية في محجوبة بما يأتي في سياقها من مجموع الجيش الاستعماري وفرنسا في عموميتها. والجميل هو أن الشاعر لم يكتف بشاعريته الواصفة ولا بكونه شاهد عيان ينقل ما رآه وهو حاضر في الميدان، وإنما نصب نفسه ناطقا رسميا فنيا باسم رفاقه في المعركة وإخوته في السلاح ومشاركيه في عشق الجزائر، فكان الأنا الجمعي عنده هو الضمير الممثل لقمة ما وصل إليه الأداء البطولي والعطاء الجهادي في سبيل محجوبة/الجزائر.

يثبت الشاعر في مطلع هذه اللوحة الرابعة الحضور في موقع المعركة، ثم الصمود في أشد أوقاتها، ثم التقدم في وجه العدو حين المواجهة. كما يثبت نتيجة ذلك وهي تضعضع قوات العدو من جراء هذا الأداء الملحمي الذي تخوضه فئة قليلة صاحبة حق ضد فئة كبيرة صاحبة باطل، وكأنه يذكِّر المتلقي بما حدث في صدر التاريخ الإسلامي من صراع بين الحق والباطل ويسقطه إسقاطا موضوعيا ممتازا على واقع الجزائر المجاهدة وهي في صراع مع الاستعمار الدخيل الذي لا حق له في هذه الأرض.

وعند تضعضع جيش الاحتلال، يدخل الشاعر -مواصلة للقياس فنيا على ما حدث في صدر التاريخ الإسلامي- عناصر الطبيعة في ميدان المعركة بوصفها عاملا جاء من الغيب لنصرة القلة ذات الحق على الكثرة الطاغية بباطلها، وإذا بـ (الرِّيحْ الغَرْبِي) يصرخ في الموقع رأفة بأهل الأرض الذين يعرفونه ويعرفهم، ورهبة للعدو الدخيل الذي لا علاقة له بالأرض باستثناء ما يكنه لها ولأهلها من تنكر وعداء، وإذا بــ (لَغْتَامْ) أي العواصف الرملية تخلط كل حسابات العدو... في هذه اللحظة بالذات حدث التشابك بــ (الرّْصَاصْ) و(المَدْفَعْ) وظل دوي القذائف من (الصّْبَاحْ) إلى (الظّلامْ)، وكانت نتيجة هذا التزاوج بين الصمود الجهادي وعاصفة الصحراء ولعلعة الرصاص ضمن تشابك مباشر أن توزعت فيالق العدو إلى أوجه متعددة؛ فمن الهارب الفار من المعركة، إلى الساقط مضرجا في دمائه، إلى الباكي خوفا وحسرة، إلى المستنجد بحكامه، إلى الجاري مهزوما دون وجهة، إلى المصاب الساعي إلى الاختفاء هنا أوهناك... وحصيلة هذه الهزيمة النكراء التي تكبدها عدو محجوبة في يوم محجوبة هي قتل خمسين ومائة من عناصره العسكرية الاستعمارية، على رأسهم نقيب (قَبْطَانْ) من خريجي "سان سير" المتمرسين في الحرب وخداعها، إضافة إلى إسقاط طائرة قتالية وإثارة الرهبة في قادة الفيالق والكتائب والفصائل الاستعمارية ودفع تلك الفيالق والكتائب والفصائل على التراجع من موقع المعركة، وذلك برغم وصول النجدة من مدينة (المَشْرِيَهْ) البعيدة بمئات الكيلومترات، وما تضمنته تلك النجدة من طائرات مقنبلة وطائرات مروحية وعساكر ذات أسلحة مختلفة... وعندما خيم الظلام بعد نهار قتالي كبير، ونتيجة لفك الحصار؛ رحل الجيش الاستعماري مهزوما مدحورا فقصد أقرب مدينة إليه (جِيرِيفِيلْ/ البَيَّضْ) ليبعث قتلاه لدفنهم في بلادهم خلف البحر، ويضمد الجراحات المادية والمعنوية لبقية عناصره، في انتظار ما سيتكبدونه من هزائم بيد أبطال خرجوا للنصر أو الشهادة.

اللوحة الشعرية الخامسة: الوفاء للعهد.

يواصل الشاعر المجاهد حميدي بونوة.

قَدَّمْنـَــا التّضْحِيـَّــاتْ مَــا رَدْنَا وِسَــامْ الحَاضَرْ فَالمَيْدَانْ مـَـا هُــو كَالسَّـامَعْ

سَبْـــعَ شُهَـــدَا الْتَحْـــقـُـــوا بِالإمَـــــامْ إمــَـامْ المُجَـــاهْدِيــنْ فَالأُمَّـــهْ يَشْفَـعْ

سَتّهْ مَجْـــرُوحِيـــنْ عـَــاشُوا بِالسَّـلامْ الْحَــيْ امْعَانَا الْيُومْ فَالذّْكْرَى يَسْمَـــعْ

هَـذِي المَعْرَكَهْ انْسَجْلـُوهَا فِي الَافْـلامْ مَنْ كَثْرَةْ هَوْلْهَا ايْشِيبْ الِلي يَرْضَـعْ

مَـــا زْلْنَا اعْلـَـى العَهْدْ وَانْكَمَّلْ الايَّــامْ ضَدَّ الخَــايَنْ وَالرْفِيـــڤْ اللِي يَخْدَعْ

سَبْــعَ وَخْمْسِينْ تْسَعَهْ اجْـوِيِي بَالتَّمَــامْ تَسْعَمْيَــــهْ وَألفْ لَلتـَّــــارِيخْ اسْمَـــعْ

بعد أن تفنن الشاعر في اللوحة السابقة وهو يصف الأداء البطولي لرفاقه في الجهاد، لا بطريقة مباشرة وإنما من خلال ما أحدثوه في الجيش الاستعماري القوي من خسائر وهزائم، يَخرج ويُخرج معه المتلقي من ماضي الزمان حين معركة محجوبة، ويدخلا الحاضر أين كان اليوم يوم إحياء للذكرى ولحظة تخليد للملحمة بنقلها من الشاهد (الحَاضَرْ) في المعركة إلى (السَّامَعْ) من الأجيال الجديدة خاصة.

وأول ما يقف عليه في هذه اللوحة الختامية أن جيله قدم (التّضْحِيَاتْ) وهو ليس في حاجة إلى (وسَامْ) كما يعتقد الكثير من الذين سمعوا عن أحداث الثورة ولم يحضروها، ثم يدرج ضمن تضحيات الجيل النوفمبري من سقطوا في ميدان الشرف يوم معركة محجوبة ملتحقين بمثلهم الأعلى محمد صلى الله عليه وسلم (إمَامَ المُجَاهِدِينْ) وعددهم سبعة شهداء، ثم يذكر الذين أصيبوا في تلك المعركة وعددهم ستة جرحى، مشيرا إلى أن هؤلاء المعطوبين وغيرهم ممن شرفهم الله بخوض المعركة التاريخية هم من الحاضرين في احتفالية هذه الذكرى والسامعين لما قال عنها، وكأنه يوثق بحضورهم ما وظفه في ثنايا نصه كما وثق سابقا بإحالة المتلقي على الأرشيف الاستعماري... وثاني ما يورده في هذه اللوحة الختامية بعد التضحيات هو الدعوة إلى كتابة تاريخ الثورة ويتخذ إلى ذلك سبيلا بأن تنتقل معركة محجوبة من الميدان الجهادي التاريخي إلى الميدان السينمائي الفني وذلك لــ (كثرة هولها) وما دار فيها من أحداث جسام يشيب منها الرضيع... وثالث ما ينص عليه في خاتمته هو استمراريته واستمرارية جيله معه على عهدهم لمحجوبة/ الجزائر ضد كل خائن للوطن وضد كل خادع له في أية قيمة من قيمه أو أي ثابت من ثوابته... ويتوقف عن القال بذكر تاريخ معركة محجوبة -09 جويلية 1957م- وذلك لكي لا يدخل أبدا عالم النسيان.

5 - مقاربة نقدية للقصيدة:

هذه القصيدة من الشعر الشعبي الجزائري ذي اللهجة الدارجة المنبثقة في معظمها عن اللغة العربية الفصحى القادمة من جذور التاريخ بشعريتها الخاصة وأدواتها الفنية وأسلوبيتها المتميزة، وهي ذات خطاب ثوري تاريخي تم إنتاجه في لحظة ذكرى هادفة إلى إحداث تواصل بين الأجيال وفق قيم ثابتة لا يمكن أن تتغير أو تزول بتغير الأجيال والأحوال.

تأسست هذه القصيدة واستثمرت مجموعة متنوعة من المعطيات، هذه أهمها في الوقفات النقدية المختصرة التالية:

5 – 1 - جاء المعمار الفني لقصيدة الشاعر حميدي بونوة وفق التشكيل الهندسي التراثي الذي سارت عليه القصيدة العربية المركبة في اللغة الفصحى منذ العصر الجاهلي وأزمنة لاحقة له. فهي تتكون من مقدمة غزلية، يليها تناول جوانب جديدة هي الغرض الرئيس، لتصل في النهاية إلى ختام هو الغاية من إبداعها. والمختلف عن القصيدة المركبة الفصيحة هو أن الغزل ليس غزلا بالمعنى الدقيق بل هو غزل رمزي ينطلق من اسم امرأة (محجوبة) ليتحول إلى مكان للحدث ثم لينتهي إلى وطن يعشقه شبابه ويموت من أجله صفوفا صفوفا، حبا ودفاعا.

والغرض الرئيس يمكن إدراجه ضمن ثلاثية الفخر والمدح والهجاء كما كان يحدث في شعر أيام العرب في الزمن الجاهلي وفي شعر المغازي حين الزمن الإسلامي، إلا أن هذه الأغراض مجتمعة متداخلة تأخذ معنى آخر في هذا القصيد الشعبي وهو المعنى الثوري المكافح للاحتلال في حلة ملحمية عظيمة جدا جاءت من عدم التوازن في الصراع، عدة وعددا.

والختام جاء ملخصا في غايتين، أولاهما أن الذين قدموا التضحيات لم يفعلوا ذلك ابتغاء حصد الأوسمة وما يرافقها مثلما ما هو حادث عند خصمهم ذي الغاية الاحتلالية الارتزاقية، والثانية هي وجوب خروج الثورة من حالة الحكي التاريخي إلى مجال الفن والثقافة لتستثمر في أداء رسالتها القامعة لكل خائن أو خادع.

5 – 2 - في إطار البناء الفني القادم من جذور التاريخ الأدبي العربي، بُني النص على البيت المزدوج بروى في كل شطر، وهو متكرر بانتظام على مساحة النص كله. وقد اختار لأبيات الصدر حرف الميم، واختار لأبيات العجز حرف العين. وإذا ما علمنا أن حرف الميم - الروي الأول- يخرج من الشفتين، وأن حرف العين -الروي الثاني- يخرج من الصدر، نجد أن الأداء الصوتي للنص قدر استثمر الجهاز الصوتي بكامله وغطى مساحة الكلام عند الإنسان من الشفتين وهما أكثر المواقع سطحية في خروج الكلام، إلى الصدر وهو أكثر المواقع عمقا في خروج الكلام. باعتماد المسطح في الشطر البادئ واعتماد العمق في الشطر الخاتم. وهذا في منظوري يدل على خاصيتين تميز بهما الشاعر المجاهد حميدي بونوة حين إبداعه لهذا النص، الأولى أنه كان في منتهى التأثر بالموضوع الذي تناوله في "معركة محجوبة" والثاني أنه عمل -شعوريا ولاشعوريا- على إفراغ كل ما لديه من طاقة فنية حين القول فيه. وقد نجح بصدق فني لا غبار عليه، إذ أنصف بلده ورفاقه في السلاح ونفسه وأنصف أيضا الشعر الشعبي بقصيدة جمعت بين بساطة المظهر وعظمة الدلالة وجودة الأداء الفني... مع الإشارة أن حرف الميم بصدوره من الشفتين وتكراره مرتبط بالمتعة، وكان المبدع يشعر بالمتعة حين الحديث عن محجوبة/ الجزائر والثورة والبطولات، وأن حرف العين النابع من تلافيف الصدر وتكراره مرتبط بالمعاناة حين الحديث عن الاحتلال والاستعمار وهمجيته وما أحدث من كوارث... وتبقى قائمة الدلالات مفتوحة...

5 – 3 - برغم واقعية مضمون القصيدة وتاريخيته وتناوله لمكان محدد وأسماء محددة في زمن محدد ومعركة محددة، لا يمكن أن نكتفي بإدراج هذه القصيدة ضمن الواقعية التسجيلية في قالب نظمي، وإنما -اعتمادا على أدائها الفني- تندرج ضمن الواقعية الرمزية ذات النفس الملحمي الذي لا يخلو من وجدانية الشعر العربي والروح العربية. وبهذا كان النص ارتقاء بالشعر الثوري المرتبط بمناسبة محددة والمؤسس على النظم فقط من أجل الغايات الاحتفالية والتعليمية وما يجري هذا المجرى، إلى مستوى الشعر الثوري الإنساني ذي الطاقات الفنية الهائلة... ولعل ذاك ما شعر به مبدع النص حينما اقترح فنيا أن تتحول معركة محجوبة إلى فيلم أو ما ينوب عنه من مختلف أشكال التعبير الفني الخالد، وفي الحقيقة كان يدعو إلى أن تتحول قصيدته المعبرة إلى فيلم أو غيره، وبذا يكون الشعر الجميل مصدر إلهام جميل في كل فن جميل.

5 – 4 - من حيث البناء الفكري، أسس الشاعر المجاهد حميدي بونوة طرحه على متضادتين كبيرتين أطرتا تتابع النص من بدايته إلى نهايته.

المتضادة الأولى قائمة على جمالية المكان: محجوبة. إذ هو -عند الشاعر وعند رفاقه في السلاح وعند جيش التحرير كله وعند كل جزائري لا يركع- ليس مجرد مكان حدث فيه حادث ما، بل هو أنثى بكل ما يحيل عليه لفظ "محجوبة" من دلالات جمالية نفسية تاريخية، وهو موقع لمعركة جهادية عظيمة تنتهي بإحدى الحسنيين إما النصر وإما الاستشهاد، وهو فوق كل ذا وطن معشوق تهون في سبيله كل التضحيات دونما بحث عن جزاء أو وسام. وهذا ما يتضح في هذا القسم من المتضادة الأولى، ويقابلها في قسمها الباقي علاقة جيش الاحتلال بالمكان والتي تمثل العكسية المطلقة لما سبق حيث لا رمزية ولا حب ولا تضحية وإنما الهدم والتدمير من أجل الهيمنة واحتلال المكان بصورة نهائية لا غير.

والمتضادة الثانية مشخصة في قيم الفريقين المتصارعين من أجل محجوبة: كتيبة جيش التحرير الوطني مقابل فيالق العسكر الاستعماري الفرنسي، بحيث نجد الكتيبة التحريرية الوطنية قليلة العدد، ضعيفة العدة، معرضة لكل المهالك، لكنها قوية جدا بإيمانها بقضيتها وقابليتها للتضحية في سبيلها، قوية جدا بصبرها حين لعلع الرصاص وثباتها في الميدان وفق تنظيم محكم يدل على عبقرية خاصة، قوية جدا بارتباطها بالمكان الذي تنتمي إليه وينتمي إليها بحره وريحه العاصف وغباره الصاعد إلى عنان السماء، قوية جدا باقتدائها بقدوتها المثلى إمام المجاهدين صاحب الشفاعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي المقابل نجد الفيالق الاحتلالية الاستعمارية كثيرة العدد ويأتيها بين الحين والحين المدد، ولها عدة مذهلة مرعبة من طائرات وسيارات ومدافع لا تتوفر أدنى ذرة منها عند الخصم، لكنها ضعيفة جدا بانعدام كل عناصر القوة المعنوية المتوفرة عند خصمها بدء من الارتباط بالأرض وانتهاء بالقدوة المثلى. وفي هذه المتضادة الثانية، نجد المبدع يقوم بعملية إسقاط جميل إذ أعاد إنتاج ما وقع تاريخيا في غزوة بدر الكبرى في ما وقع تاريخيا أيضا في معركة محجوبة، مع فارق في الأدوات المستخدمة لا غير. وهكذا كانت كل معارك ثورة الجزائر المسلمة إعادة إنتاج لبدر الكبرى وأخواتها من حيث القيم والغاية.

5 – 5 - حدثت معركة محجوبة سنة 1957م، وفي خضم التحضير لاحتفالية ذكراها الأربعين سنة 1997م تم إنتاج هذا النص. ونظرا لبعد المسافة الزمنية بين القصيدة وموضوعها، جاء أسلوبها في عمومه وتفصيلاته يحمل طابعا مميزا بخصوصية الذكرى وتداعياتها.

من حيث الأفعال في النص، لقد استثمر الشاعر المضارع والأمر والماضي بدرجات متفاوتة. فالفعل المضارع قليل وقد ورد خاصا بالشاعر نفسه في مطلع النص (انْڤـُولْ) تعبيرا منه عن مساهمته في الإحياء بعد أربعين عاما، وورد في آخر النص (انْسَجْلـُوهَا) حين اقترح الشاعر باسمه واسم الجماعة نقل المعركة من التاريخ إلى الفن في مستقبل الزمان، وورد كذلك حين وصف بعض حيثيات المعركة (نَمْشُوا، يَبْكِي، يَجْرِي،...) لجعل الصورة حية تتحرك وحساسة تشعر كأن المتلقي يراها على المباشر، وورد ختاما حين العمل على التشخيص الحي للمشاعر والمواقف (ايْفَيَّعْ، يَخْلـَعْ، ايْشَجَّعْ،...) وذلك حتى تكون مثيرة جدا ومستثمرة لحركية الحياة ضمن فضاء النص الشعري. وفعل الأمر بدوره أكثر قلة من سابقه إذ ورد فقط مكررا في البيت الرابع (سَوَّلْ) حينما أحال الشاعر المتلقي على مساءلة العدو -من خلال ذاته أو أرشيفه- عما حدث في ذلك اليوم المشهود، وكانت الغاية منه غرس الثقة في السامع ليتتبع الأحداث الملحمية بيقين. والفعل الماضي كان هو المميز بكثرة صيغه وتنوع فواعله وتباين دلالاته إذ ظهر هذا الفعل جليا في أكثر من ثلثي أبيات النص، وفي ما تبقى من الأبيات وردت الإحالة على الماضوية من غير استخدام الفعل الماضي نفسه وإنما باستخدام اسم الفاعل أو غيره من القرائن... وبناء على هذه الماضوية الطاغية على النسيج التعبيري، لقد سيطر الأسلوب الخبري ذو اللمسات الهادئة على جل معاني النص ولم يرد الإنشاء الطلبي إلا في إحالة المتلقي على بعض مصادر الخبر بغية اليقين، ولم يرد أيضا الإنشاء غير الطلبي وهو التعجب بالمعنى لا بالصيغة إلا حين الإعجاب ببعض صفات المجاهد مثل ما ورد في آخر البيت الثامن (... غـَيْرِ اللِي يَخْلَعْ). وهذا الإخبار الهادئ تلاءم كما ينبغي مع أسلوبية النص القائمة تأسيسا على السرد والوصف والمقارنة والاستنتاج. إذ يبدو السرد في حكي الأحداث التي وقعت يوم معركة محجوبة، ولم يكن هذا السرد عملا حكواتيا مبنيا على الكان كان وإنما جاء مشبعا بالوصف الحي الذي حول جزئيات الأحداث إلى صور تمشي وتتحرك وتبكي وتفر وما يجري هذا المجرى، ولم تكن هذه الصورة صامتة بالأبيض والأسود وإنما يُرى فيه اللون (لون الدم/ لون الغبار...) وتسمع فيها الأصوات (صوت المدفع/ صوت الطائرة...) وهكذا... وداخل هذه البنية الساردة الواصفة جاءت المقارنة واضحة بين كتيبة جيش التحرير وفيالق العسكر الاستعماري وانتهت إلى إسقاط ما وقع في الغزوات الإسلامية على معارك الثورة التحريرية، كما تمت الإشارة إلى ذلك سلفا. وتخرج هذه الأسلوبية المتشابكة بإحكام إلى الاستنتاج العقلي الذي يحول القصيدة إلى خطاب يبين أن التضحيات كانت من أجل الوطن لا من اجل الأوسمة وأن واجب كل جزائري وفيّ هو نقل الثورة من صفحات التاريخ إلى حياة المجتمع عبر ثقافته ومنها السينما، الفن الأول في هذا الزمن.

وهنا أقف على ظاهرة جميلة وظاهرة أجمل في هذا التشكيل الأسلوبي الذي استخدمه الشاعر المجاهد حميدي بونوة. فالظاهرة الجميلة تتجلى في القاموس اللغوي المستثمر في النص، إذ من بين ما يفوق بقليل المائتي كلمة لا نجد إلا ست كلمات ذات أصل أجنبي فرنسي، وكان توظيفها حتما مقضيا لا حبا فيها، وهي (الجنرال/ قبطان/ الكوبتار/ جيريفيل/ الافلام/ جويي) بينما جاءت الكلمات الباقية من العربية الجزائرية الدارجة المنحدرة من اللغة الفصحى، وهو ما يعطينا نسبة أقل من 3% من المفردات الدخيلة مقابل أكثر من 97% من المفردات المحلية المرتبطة بجذور انتمائها التاريخي والحضاري والديني والبيئي. وهذا لا نجده في كل قصائد الشعرية الشعبية المعاصرة ذات القاموس اللغوي الملوث بكثرة الكلمات الأجنبية التي لم تدع إليها ضرورة من الضرورات، وهو ما يبين بصورة من الصور وطنية المبدع في لغته وعداوته لفرنسا الاستعمارية من خلالها. والظاهرة الأجمل هي أن الشاعر تهمه الثورة التحريرية اهتماما كبيرا، وبالمستوى نفسه من الاهتمام ينظر إلى الأجيال الجديدة التي جاءت بعد الثورة، ودليل ذلك هو مخاطبته للمتلقي بالأمر كي يتأكد ولا يشك مقدار ذرة في يقينيات هذه الثورة المميزة المنمازة بتضحياتها الجسام حبا للوطن ودفاعا عنه، وفي الوقت ذاته فإنه يستخدم في تعبيره تقنية من تقنيات المسرح، وهي تحطيم الجدار الرابع، بحيث يخرج المتلقي من دور المشاهد/ السامع ويدخله في دور المشارك في العمل من داخله، ويظهر ذلك في لفتتين هامتين، أولاهما حينما حرك المتلقي بضمير المخاطب المفرد مع الفعل سأل في صيغة الأمر (البيت 4) ليلبسه لباس الباحث المحقق ثم حينما نقله إلى أرض المعركة (البيت 6) ودفع قلبه إلى التوجع من جراء معاناة المجاهدين بالجوع والعطش وحر شمس صحراء في فصل الصيف، وثانيتهما لما أدمج هذا المتلقي معه ومع رفاقه في السلاح إلى حمل مسؤولية المحافظة على هذه الثورة العظيمة (البيت 24) بتسجيلها في الأفلام وتطويرها من فعل تاريخي إلى فعل ثقافي. هذا إضافة إلى ما هنالك من جماليات رائعة، منها مثلا (البيت 11) جمالية المشابهة الرابطة بين المجاهد وأفضل جوارح بيئته (العقاب) وجمالية التكنية عن اللاخضوع عند الجزائري في تاريخه الطويل وغير ذلك من الجماليات البلاغية المتناثرة في النص الذي يمكن إدراجه ضمن السهل الممتنع الذي كان صاحبه شاهدا على معركة قصيدة فكتب عنها ليحولها إلى قصيدة معركة من الشعر الشعبي الثوري الخالد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* - لهذه المداخلة مصادرها ومراجعها وقد نشرت معها في عدد خاص من مجلة كلية الآداب - جامعة الجزائر 2 - سنة 2015

** - الشاعر المجاهد عيسات سليمان المدعو بلعسكري توفي في 2022

*** - الشاعر المجاهد حميدي بونوة المدعو عبد الباسط توفي 2018


تعليقات

المشاركات الشائعة